الثلاثاء، 27 جمادى الأولى 1431 هـ

! عندما قتلت أبي

في ذات يوم سحيق .. وُلدتُ في كهف مظلم بسفح جبل .. هو على ظلامه خيرٌ من الخلاء المُحاصر بجليد ساقع لم ينحسر عن الأرض بعد , في هذا الكهف .. عشتُ و مُت .. ووجدتَني أنت بعد آلاف السنين ؛ فأسميتني مرّة انسان النياندر .. و مرّة انسان بلندون .. ومرّة انسان جاوه , إلى آخر كل الأسماء التي تُحب أن تُطلقها على الأشياء

لكنني لم أعرف الأسماء .. ولست أذكر ان أحدا ناداني بأي اسم , أنا هو أنا .. أُثبت وجودي بالحركة والفعل , لم أتوصل بعد إلى تزيين صوتي بالمقاطع والكلمات .. أزوم اذا تضايقت .. أُزمجر اذا غضبت .. أموء اذا رضيت .. وأضحك اذا سُررت .. وحسبي هذا من فنون التعبير عن النفس
لكن حذار أن تستهين بي .. فعندي رُمح نحته من الصخر و زوّدته بسِن من العظم .. استطيع به أن افتح كرشك ! , نعم .. استطيع أن افعل ذلك بسهولة , لا يغرُّك انني اقصر منك قامة .. وأنني أسير منحنيا إلى الأمام نوعا ما

في هذا الكهف المُظلم وُلدتُ وكَبُرت .. ومنه خرجت كل يوم برُمحي المسنون لكي أُمارس وظيفتي الطبيعية .. الصيد , الغزال أصيد .. والثور الوحشي والدُب .. والخنزير البرّي , بالقوة والشجاعة أصيدها .. وبالحيلة أيضا
رسمت على جُدران كهفي صورة الغزال .. فسحرته وجعلته يسعى إليّ , ولبست جلد الدب و رقصت مثله .. فخدعت المذكور .. وجعلته يقترب منّي لأقتله .. وآكله

في آخر النهار أعود من رحلة الصيد مُتعبًا .. استرشد في سيري بتلك النار البعيدة الموقدة .. إذ نسيت أن أُخبرك أنني قد نجحت منذ زمن في اكتشاف النار , وبجانب النار تجلس امرأة أُحبها .. تُهوّي على النار لكي لا تنطفئ .. ولكي تشوي عليها الغزال اللذيذ الذي تعرف أنني سوف أعود به , اعرفها منذ زمن تلك المرأة العزيزة .. واذكر ساعات طويلة سعيدة قضيتها أتقلب على حِجرها .. تُحبني .. وأُحبها .. وهي مثلي .. لا تحمل اسما
تُحبني و للأسف الشديد .. تُحب رجلا آخر , وهذا الرجل - يا حسرتاه - أقوى مِني , هو أسد وأنا شبل .. هو كلب وأنا جرو , لكنه يعرف مثلما أعرف .. أن الشبل سوف يُصبح أسدًا .. وأنني الجرو .. سوف أصبح ذات يوم كلبًا , ولذلك أُحبها - تلك المرأة التي لا اسم لها ! - من بعيد , نصيبي منها ضئيل مثل نصيبي من الطعام بالقياس إلى نصيب الكلب الكبير , تعلمت ألا أطمع في أكثر من النصيب الذي يحدده لي ؛ فطالما أوقفني عند حدّي بنظرة نيندرية حادة وزمجرة بلندونية مُفزعة , هل تُصدق انه في ذات ليلة .. تعشى برُبع غزال كامل .. وتركني انا لكي أتعشى بفأر مشوي صغير .. وخُنفستين !؟

لعلني لذلك أُكثر من الرسم على جُدران الكهف .. فَصور الحيوانات تسحر تلك المرأة .. وتجذبها إلي , والرسم من ذاته يُسري عني .. ويُعطيني فُرصة أفش بها غلّي ! , ويشاركني في الرسم شاب آخر .. عرفته دائما في الكهف دون أن أعرف له هو الآخر اسمًا ؛ فهو في ذلك مثل سائر الشُبان الذين
.. يُقاسمونني كهفي .. ومثل سائر الإناث التي أُحبُهن من بعيد
! وأحيانا أختلس حُبهُن اختلاسُا .. إذ كُن بدورهم من نصيب الكلب الكبير
لكن الجراء والأشبال - كما أسلفنا - تكبر , وفي الوقت نفسه لا يبرح الهِرم والضعف .. يدبان في كبار الأسود والكلاب , وهكذا وقع المحتوم في ذات ليلة عاصفة من ليالي الشتاء الدائم , صدى زمجرة الرياح في الخارج يتلاعب بشعلة النار داخل الكهف .. ويُلقي على الجدران خيالات وأشباح رهيبة ؛ فنظرت إلى صاحبي .. ونظر صاحبي إليّ .. ثم اتجهت عيوننا إلى الأسد الرابض هناك .. مليء البطن بفخذ خنزير مشوي .. يُغالب النوم وهو يُوجه نحونا نظرات فيها ريبة وخوف دفين .. كأنه قرأ شيئُا مما يدور في أذهاننا

لم نتكلم - صاحبي وأنا - لانه لم تكن عندنا كما أخبرتك من قبل .. لغة منطوقة , لم نتكلم بالصوت
.. ولكننا تكلمنا بالعيون , تَخاطبنا بالنظرات على ضوء الشعلة الراقصة .. فقلت له بنظرة موحية
تيجي يا واد !؟
! فأجابني صاحبي بنظرة مُماثلة : يلا بينا
! فشجعتني موافقته وقلت له : طب قوم بسرعه
وانتظرت أن يقوم .. ولكن شيئا من التردد ظهر في عينه التي تقول : ولو انه صعبان عليّ
انا : صعبان ! ده يصعب على حد !؟
ولكنني كنت في داخلي اشعر بنفس الشفقة على الكلب الكبير , ولذلك كان لازما أن نستعيد شيئا من ذكرياتنا الأليمة لكي تُطاوعنا نفسنا على تنفيذ ما يُراودنا ؛ فرُحنا نتذاكر أخطاء الرجل في حقنا .. وجبات من الفئران والخنافس والأعشاب الجافة .. والعلقة الحامية التي أخذناها منه يوما بعد يوم .. تكويشه الجشع على إناث الكهف .. إلى متى نصبر على هذا الذئب .. إلى متى .. إلى متى !؟

كان هذا كافيا لكي يثيرنا ؛ فنهضنا .. وعندما نهضنا نهض الرجل .. وامتدت يده إلى هراوة غليظة من الخشب .. لكنها كانت معركة محتومة النتيجة , هراوة السُلطة تُرفع في كهفنا للمرة الأخيرة

أنا الشبل قد صرت أسدًا .. وصاحبي الجرو قد صار كلبًا , والكلب الكبير هرم وضعف ووهن العظم منه , ثوان محمومة سريعة .. وخيالات دامية تصارعت على ضوء الشعلة الراقصة .. ثم صرخة مكتومة رددتها جنبات الكهف .. ثم سكون شامل لا يقطعه الا صوت زفيرنا وشهيقنا .. ونحن نلهث من الجهد والانفعال
نظرت إلى صاحبي ونظر اليّ .. نظرنا معا إلى الجثة الهامدة عند أقدامنا .. ثم سمعنا بالقرب منا حفيفا ودبيبا .. ونظرنا إلى سائر أقراننا من سُكان الكهف وقد أتوا يزحفون نحونا , جذَبَتهم رائحة الدم .. ووقفوا ينظرون بعيون فزعة جاحظة .. لم أكن أعرف اللغة - كما قلت - ولكنني زمجرت بما معناه : أيوه قتلناه ! عاجبكم ولا لأ !؟
! فتراجعوا في خوف , الأمر الذي شجعني على أن اصيح : امشوا اطلعوا برّه
.. فازدادوا خوفا .. وهو ما جعلني ألتفت إلى صاحبي وشريكي في الجريمة صارخا
!! وانت كمان معاهم
! فقد حان الوقت لكي يعرفوا من الزعيم الجديد .. مات الملك .. وعاش الملك

لأيام معدودة عِشتُ ملكا .. تعشيت بالغزلان وحلّيت بالإناث , ولكنني كنت طوال الوقت أشعر بأن التاج واسع على رأسي نوعا ما .. وأنني لست أقوى رجال الكهف .. هناك كثيرون غيري , خافوا يومين ثم بدأ خوفهم يزول .. جراء كثيرة قد صارت كلابا .. وأشبال كثيرة صارت أسودا .. وكان لابد للمعركة أن تنشب
وها أنا ذا .. ارقد ذات مساء مُتخم الجوف بخنزير بري مشوي .. ومن خلال جفوني المُتعبة
.. ألمح عبر شعلة النار المتراقصة .. شبحين لشابين جلسا بالقرب مني يتناجيان
ماتعرفش وحياة والدك بيقولوا ايه !!؟
-

الساخر الراحل .. محمد عفيفي

الاثنين، 19 جمادى الأولى 1431 هـ

!! مُجرد فيران .. عبيطه

استضافني أحد الأصدقاء في مزرعتهم في أحد المناطق الخاضعة للاصلاح الزراعي , والحقيقة كنت في قمة السعادة .. عشان آخيرا هاعرف كيفية زراعة المكرونة السباجيتي - بالصلصة - والسجاير الكولوباطرا البوكس , لكن اكتشفت - للأسف - ان المكرونه السباجيتي لا تصلح للزراعة هنا
!! عشان البيئة مش مناسبة .. فقررت ازرع بدلا منها .. برطمانات نيسكافيه

بادئ ذي بدئ .. بمجرد ما وصلنا أصابني خنقة و كَرشة نَفس .. وذلك نتيجة اعتياد الناس هناك - استغفر الله العظيم - على استنشاق الأُكسجين , لكن مع مرور الوقت تأقلمت رئتي كإنسان مع الظروف .. وعرفت استنشق هذا الغاز الغريب , واكتشفت - الحمدلله - إن الإنسان أحسن من البَني آدم

في آخر اليوم دخلنا ننام في الاستراحه , وهي عبارة عن غرفتين جنب مخزن السباخ والكيماوي .. وطبعا النوم مستحيل نتيجة لرائحة السباخ , واعتقد ان صاحبي خدها حِجه وكان بيسبخ مع نفسه
!! هو راخر

حاولت انام بشتى الطرق ماعرفتش .. ناموس من ناحية .. و رائحة سباخ من ناحية تانيه .. وأصوات شخير وتسبيخ - اتضح ان السباخ ليه صوت ! - صاحبي من ناحية تالته , قلت اطلع بره الاستراحه اشرب سيجارة وانتظر إلى أن يكبس عليّ النوم .. وادخل انام , وما أن خرجت وأشعلت السيجارة .. حتى وجدت أمامي كائن غريب اشبة بالقطط في ضخامتها .. ولكنه ليس قط ؛ فقلت مع نفسي لاحول ولا قوة الا بالله .. حتى قطط هنا بقى شكلها غريب من استنشاق الأُكسجين !!؟

وعندما أمعنت النظر جيدا .. اكتشفت انه فأر وليس قط .. و أوكد فأر وليس عِرس - دكر العِرسه ! - وكان هذا الفأر يرمقني بنظرات جاحظة مستغربة .. وكأنه يقول لي .. انت جاي مع مين يا كابتن !؟

استغربت من تصرف هذا الفأر .. وتذكرت أول مواجهة صريحة ومباشرة حدثت بيني وبين أحد
... الفئران قديما .. وبالتحديد .. عندما كنت في تالته ثانوي

كان الوقت فجرا .. وكنت عائدا من صلاة الفجر في المسجد .. حاكم احنا مابنعرفش ربنا غير في أيام الزنقات .. ولا توجد زنقة أكبر من زنقة تالته ثانوي .. فترى المساجد مكتظه دائما بطلاب الثانوية العامه .. وتجد أنهم مواظبون على الصلوات الخمس والتراويح والتهجد - في رمضان وغير رمضان والله ! - وبمجرد ماتخلص امتحاناتهم وخلاص اللي حصل حصل .. ربك غفور رحيم ياعم

كنت في هذه الفترة مطلقا لحيتي - عشان ربنا يكرمنا - وكان شعري - رحمة الله عليه - طويلا , أي أنني وباختصار .. كنت شبيها بالأَشكيف , و الأشكيف هو حاجه زي "العاو" اللي بيخوّفوا بيه الاطفال .. بس الصراحة انا عدّيت مرحلة الأشكيف اللي بيخوّفوا بيه العيال .. وبقيت الأشكيف اللي بيخوّفوا بيه "العاو" ذات نفسه

انتهيت من الصلاة في المسجد وراجع على بيتنا عادي خالص .. ولقيت فار بيمرح في مدخل العمارة , وما أن شاهدني هذا الفار حتى وقف متسمرًا لثواني قليلة .. ثم انقلب على ضهره كما الصرصار
!! البلدي
استغربت من تصرف هذا الفأر .. مش المفروض يجري يعني ولا ايه !؟ , ولا يكونش اتقلب على ضهره عشان عايزني ازغزغه في بطنه مثلا !؟ , بس القطط بس هي اللي بتحب الزغزغة في البطن .. يكونش الفار ده نتاج تزاوج فار مع قطه .. و ده فأر الخطيئة !!؟

, اقتربت منه بحذر .. وغمزته بطرف رجلي على أمل أن يقوم ويطلع يجري بقى .. لكن أبدا
.. كررت غمزتي بقوة أكثر .. وهو في البلاله خالص ؛ فاكتشفت ان الفار لما شافني وانا أشكيف
!! اتخض ومات يا عين امه
ووجدت نفسي أتساؤل مندهشا .. الحل ايه دلوقتي .. هل المفروض اعمل له تنفس اصطناعي وافتح بؤه بصوابعي وامنحه قُبلة الحياة مثلا !؟ , بس اساسا ماعرفش بيعملوها ازاي .. لو كانت قُبلة فرنسية الإيحاء كان ماشي .. انما قُبلة حياة .. ولفار .. لأ طبعا ! , لو كانت فأره نتايه كان ممكن .. انما ابوس دكر في بؤه .. لا ممكن !! , وأكيد ده فار دكر .. مش عنده شنب على بؤه .. يبقى دكر !!؟

عُدت الى المشهد الحالي .. وانا اشرب سيجارة الكولوباطره خارج الاستراحة في مزرعة صديقي .. وانظر للفأر الذي ينظر إليّ باستغراب , فقررت أن أتحداه بنظرتي وكأنني اقول له .. خد بالك
!! انا اللي قتلت - بنظرة واحدة - ابن عمك اللي في القاهرة
وفعلا .. وجدت هذا الفأر قد اتخض وطلع يجري ؛ فابتسمت ابتسامة الثقة والنصر .. وانتهيت من شُرب سيجارتي ودخلت على الاستراحة كي أنام , وقبيل انغماسي في النوم .. ظهرت لي حقيقة واحدة وصريحة .. حقيقة أنه لو اجتمعت مجموعة فئران لقتلي - والتمثيل بجثتي - يكفي أنهم بمفردهم
!! مُجرد فيران عبيطه .. والعبدلله .. أفضل منهم
-
سوووو